ثلاثية ''الإرهاب، المخدرات والهجرة غير الشرعية'' ركائز السياسة الخارجية للمغرب تجاه أوروبا.


       وكـالات 

لقد شهد العالم، منذ بداية نشأت الدول وتقسيم الحدود سابق الهيمنة وبسط النفوذ والسطرة على العالم، إستعملت فيه الدول القوية كل الموارد والجهد على مختلف المستويات لتقديم نفسها في صورة البلدان المتقدمة والمتطورة رغم إختلاف في النهج والإستراتجيات إلا أن الهدف كان واحدا هو كما قلنا سابقا السيطرة على العالم، فمثلا الولايات المتحدة الأمريكية ركزت سياستها على صناعة الأسلحة لتقوية الجيش والدولة وهو ما تحقق فعلا حيث تعد في العصر الحالي أكبر قوة عسكرية في العالم وتحولت بفعل ذلك مسؤولة عن ضمان الأمن والإستقرار العالمي، والمتحكم في سوق الأسلحة وإبرام الصفقات وفق رغباتها ضمن إستراتجية تثبيت السيطرة على جميع البلدان والتحكم من خلال ذلك في مواقفهم وسياستهم الخارجية ما مكنها بشكل فعلي في التحكم في السياسة الدولية إلى جانب الأمن، وفي مثال أخر أقل ما يقال عنه السيطرة الناعمة، ركزت الصين في بناء قوتها لهذا الغرض عن طريق الإقتصاد الذي يعد أهم الركائز لبناء أية دولة، بعيدا عن لغة الحرب والسلاح، حيث أسست لطوفان الصناعة والإنتاج لفرض السيطرة على الإقتصاد العالمي، قضت في ذلك سنوات وبطريقة مدروسة أصبحت من خلالها البلد الذي يلبي أكثر من 90% من حاجيات البلدان والسوق الدولية في مختلف المجالات.

الإستراتجية التي إتبعتها كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين لم تخرج عن نطاق القانون أو تصل إلى مستوى المحظور على الرغم من أن النوايا والأهداف كانت لأجل السيطرة وبسط النفوذ على حساب باقي دول العالم، إلا أن الطرق الشرعية التي إتخذها (اللعب النظيف) لم تترك أمام خصومها أية فرصة للتأثير على تلك المساعي التي يطمحان إليها في مسيرة السيطرة على العالم، نجاح هذه التجربة فتح شهية باقي الدول التي ترى بأن لها مؤهلات وموارد تمكنها من الوصول إلى مقام الريادة وتقاسم السيطرة مع الولايات المتحدة الأمريكية والصين، فمثلا فرنسا التي قامت بدمج الفكرتين معا للإستمرار في السيطرة على مستعمراتها السابقة أي عن طريق إنشاء قواعد عسكرية ومراكز إستخبارات على أراضي تلك البلدان وكذلك التحكم في إقتصادها، رغم ذلك لن يستمر كثيرا لعدة عوامل أبرزها طموح القادة الأفارقة من داخل الإتحاد الإفريقي في القضاء على كل أشكال التبعية أو الولاء للإستعمار الأجنبي في كل الجوانب السياسية، الإقتصادية ثم العسكرية والأمنية.

 وفي نموذج أخر لكن السيطرة المخالفة للقانون أو بلغة أكثر وضوح الإحتلال غير الشرعي. بعد إجتياح المغرب للصحراء الغربية خريف عام 1975، ومحاولته التي بائت بالفشل في محو أثر الشعب الصحراوي من الوجود على أرض الساقية الحمراد وواد الذهب، والسطو الكامل على أرضه والموارد الطبيعية التي تزخر بها، ثم تطور النزاع بينه وجبهة البوليساريو من المسلح الذي دام 16 سنة ثم الدبلوماسي والقانوني المتواصل إلى هذه اللحظة، أحس النظام الملكي أن الأمور ماضية في التغير نحو ما لايرغب فيه، لذا بات من الواجب عليه أن يجد أوراق ضغط تمكنه من الحصول على دعم أجنبي يمكنه من مواجهة صمود جبهة البوليساريو والشرعية الدولية التي تميل لصالح هذه الأخيرة، ومن هذا المنطلق لعب الموقع الجغرافي للمغرب دورا هاما في الحصول على تلك الغاية من الجار الشمالي (الإتحاد الأوروبي) أقرب القوى الدولية إليه من حيث الجغرافيا. فما كان لنظام الرباط إلا إقتناص الفرصة الذهبية، طبعا بتنسيق مع الحلفاء (فرنسا وإسبانيا)، حيث ركز إستراتجية الضغط على ثلاث نقاط حساسة جدا بالنسبة للغرب وشعوبه. 



حقول القنب الهندي (الحشيش) في منطقة الريف المغربية.

المخدرات : 
بحسب تقرير المكتب التابع للأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، لسنة 2018، صنف المغرب كأول بلد منتج لمخدر القنب الهندي (الحشيش) في العالم بنسبة 40% من كمية الحشيش المنتجة في العالم، مبتوعا بأفغنستان ثم لبنان، الهند وباكستان، حيث بلغت المساحة المزروعة في المغرب بنبتة القنب الهندي 47 ألف هكتار، من ضمنها أجزاء تابعة للقصر منذ حكم الحسن الثاني، وبلغ حصادها حوالي 35 ألف طنا، موجهة أساسا نحو دول المنطقة محليا إضافة إلى أوروبا السوق الرئيسية للمغرب، ثم وسط وغرب إفريقيا، آسيا والشرق الأوسط. هذا الآفة المحظورة عالميا والتي تشكل خطرا وتهديدا حقيقيا على شعوب العالم، يرى فيها النظام المغربي من الإجابيات الكثير، بإعتبارها ورقة ضغط تمكنه من إبتزاز بلدان شمال أوروبا التي ترفض الإنسياق خلف مطامعه الإستعمارية، وإنتزاع موقف يغطي على إنتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان ونهب موارد الشعب الصحراوي. ومن بين الأدلة التي تثبت إستعمال المغرب لهذه الآفة كورقة ضغط، هو مطالبة حزبين سياسيين مقربين من القصر وهم حزب الإستقلال والإصالة والمعاصرة، في سنة 2013 بسن قانون يسمح بتقنين رزاعة القنب الهندي في المغرب وإخراجها من قائمة الممنوعات ما يساعد الدولة في التحكم بشكل كامل في المساحات المزروعة والكميات المنتجة وتوجيهها بما يفيد الدولة، ما يعكس أن هذا الإهتمام الذي ظهر مؤخرا بهذه المادة يدخل ضمن إستراتجية مدروسة تخدم الأهداف التي أشرنا إليها سابقا.

هذا الكم الهائل من المخدرات الموجهة إلى أوروبا تحديدا يصعب على تجار المخدرات تهريبه دفعة واحد أو على شكل دفعات متتالية سواء عبر البر، البحر أو الجو، وذلك راجع إلى الحصار المشدد على هذه المنافذ المتاحة حاليا وكذلك نظرا إلى معدات الحديثة للكشف والتفتيش العالية المستوى التي تحتوي عليها مراكز شرطة الحدود والجمارك للبلدين، إلا أنه ووفق تحقيقات أجرتها وسائل إعلام دولية حول هذا النقطة بالذات، مع مزارعون وتجار سابقون للمخدرات، أكدوا أن على أنه ومنذ تشديد الحراسة على المعابر الحدودية وتجهيزها بمعدات عالية الدقة، أصبحت عمليات تهريب المخدرات تمر عبر تنسيق بين شبكات الإتجار في المخدرات وجهات سياسية وأمنية وعسكرية نافدة في الدولة المغربية تشرف بطرقها الخاصة على إيصال تلك الحمولات إلى الضفة الأخرى.


مهاجرون من دول جنوب الصحراء الكبرى خلال محاولته إختراق السياج الحدودي للوصول إلى سبتة ومليلية.

الهجرة غير الشرعية. 

تعد الهجرة السرية إحدى التحديات الكبيرة بالنسبة للقارة الأوروبية، خاصة في ظل تزايد الأزمات في القارة الإفريقية وإرتفاع نسبة البطالة والفقر، لهذا السبب وضع الإتحاد الأوروبي خطة لمواجهة هذه الظاهرة، كلفه ذلك أموال طائلة وصلت تقريبا إلى ما قيمته 3.3 مليار يورو لوقف الهجرة غير الشرعية ومعالجة المشاكل التي أدت إليها، كما تم رسم خطة للاستثمار الخارجي للإتحاد مخصصة للبلدان الأفريقية، خاصة البلدان المجاورة بمساهمة تصل قيمتها إلى 4.1 مليار يورو من المفوضية الأوروبية ومن الممكن أن تتضاعف إلى 44 مليار يورو من الاستثمارات مع وصول عام 2020.

هذا التخوف الكبير من قبل الأتحاد الأوروبي من ظاهرة الهجرة السرية، كانت بمثابة فرصة ذهبية للمغرب لإدراج هذه المسألة ضمن أوراق الضغط ما دامت تسببا مشكلا لأوروبا، حيث شرع المغرب عبر شركة الخطوط الملكية المغربية، إلى نقل أعداد كبيرة من المهاجرين من بلدان جنوب الصحراء الكبرى نحو مدن المغرب، وكذلك من خلال التنسيق مع شبكات الإتجار في المخدرات والبشر التي تربطهم علاقات قوية مع وحدات الجيش المغربي المتواجدة عند جدار العار في الصحراء الغربية.

وقد وضع المغرب إستراتجية تجاه المهاجرين سنة 2013، بهدف ما وصفه النظام بإدماج المهاجرين تشمل نظام التعليم، الصحة والسكن والشغل، والتي هي في الحقيقة وسيلة لجلب أكبر عدد من المهاجرين إلى المغرب والإحتفاظ بهم لإبتزاز أوروبا في حالة التراجع عن دعمه في قضية الصحراء الغربية، هذه الخطة مكنت المغرب من إستقطاب 23 ألف مهاجر غير نظامي، وإرتفع العدد في المرحلة الثانية نهاية سنة 2016، حيث وصل العدد الإجمالي المسجل في قوائم الدولة 100  ألف مهاجر من دول (مالي، الكاميرون، ساحل العاج، النيجر والسينغال) وفق تقرير المركز الأمريكي للدراسات الإستراتجية والدولية، هذا إضافة إلى إتفاقية غريبة نوعا ما تقضي بإستقبال المغرب للمهاجرين غير الشرعيين الذين تم القبض عليهم في إسبانيا. 

ووفقا لتقارير منظمات حقوقية ومهتمين بشؤون المهاجرين الأفارقة، فقد أكدت إقدام السلطات المغربية بين الفينة والأخرى على نقل المهاجرين مكدسين في شاحنات وأحيانا مطاردتهم نحو الحدود الشمالية للبلد قصد العبور نحو الضفة الأولى، كلما مرت العلاقات بين الإتحاد الأوروبي أو بلدان أوروبا بنوع من الفتورة أو الإختلاف في بعض المواضيع، فمثلا خلال الأزمة التي حدثت خلال مناقشة مسألة تجديد إتفاقية مصائد الأسماك بين الإتحاد الأوروبي والمغرب بسبب إدراجها للصحراء الغربية عمدت السلطات إلى دفع مجموعات كبيرة من المهاجرين نحو الجدار المتواجد بين المغرب ومدينتي سبتة ومليلية قصد العبور بطريقة غير شرعية نحو الضفة الأخرى، حيث سجلت إسبانيا وصول 18016 مهاجرا غير شرعي إلى أراضيها عبر المدينتين المذكورتين، وقبل ذلك على دفعتين خلال شهرين دخل أراضيها نحو 715 مهاجرا، كما أكدت المنظمة الدولية للهجرة عن وصول عدد المهاجرين الذين إقتحموا السياج الفاصل بين الحدود الإسبانية والمغريية قرابة 3100 شخص.


إرهابين مغاربة ضمن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)

الإرهاب :

كشفت تقارير الإستخبارات أن عدد المغاربية المتواجدين في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) يصل إلى 1664 إرهابيا، من بينهم 285 إمرأة، وعاد منهم حوالي 217 شخص من بينهم 52 إمرأة وفق ما أكد مكتب التحقيقات القضائية المغربي المعني بالإرهاب، غالبية هؤلاء الأشخاص قبل إلتحاقهم بسوريا والعراق، مروا عبر فرع التنظيم المتواجدة في منطقة الساحل والصحراء (تنظيم الدولة الإسلامية ببلاد المغرب الإسلامي) التي تربطها علاقات قوية مع حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا والعصابات الإجرامية العاملة في الجريمة المنظمة وتجارة البشر والإتجار في المخدرات وفق ما أكده مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في تقرير الأخير. 

هذا الكم الهائل من الإرهابين المغاربة في صفوف التتظيمات الإرهابية، شكل مصدر قلق لبلدان الجوار خاصة الأوروبية، حيث خلصت مجلة جون افريك في مقال مطول يعالج هذه الظاهرة بأن (الإرهاب ولد في المغرب)  وذلك بالإستناد على العمليات الإنتحارية أو الأفعال الإرهابية التي شهدتها مدن أوروبية خلال العشر سنوات الأخيرة، مثل برشلونة، أمستيردام، بروكسيل، باريس نفذها مواطنون مغاربة أو من أوصول مغربية دون غيرهم من الجنسيات المختلفة المتواجدة في أوروبا.

وقد صرح رئيس مكتب التحقيقات القضائية المغربي، في مقابلة صحفية، أن الجهاز ومنذ نشأته في 2002 إلى حدود سنة 2017، قد فكك ما يزيد عن 52 خلية لها إرتباط مباشر مع تنظيم داعش، كما أحبط 352 مشروع إرهابي تخريبي وتوقيف أزيد من 2952 من المشتبه في تورطهم في أعمال إرهابية. كما أوضح المسؤول المغربي أن المغرب كان تعرض لأخر هجمة إرهابية سنة 2011 في مدينة مراكش، لهذه المعطيات دفعت معظم الباحثين والمهتمين إلى طرح سؤال جوهري في هذه المسألة، كيف يعقل لبلد يعد أكبر مصدر للإرهاب، لم يتعرض إلى أي عملية إرهابية خلال ثمان سنوات الأخيرة رغم الضعف الأمني وعدم مواكبة المغرب للعصرنة في مجال الأمني، أو إمتلاكه للأجهزة العالية الجودة في التجسس وتعقب الجماعات الأرهابية مثل الدول المتقدمة؟


إن إعتماد النظام المغربي على الآفات الثلاث كعمود فقري أو بالأحرى قواعد أساسية في سياسته الخارجية لربح دعم مالي وزيادة منسوب إيرادات خزينة الملك وكذلك الحصول على مواقف داعمة لسياسيته التوسعية في الصحراء الغربية، يعكس بشكل لا يدع أي مجال للشك إفلاس النظام المغربي، وإعتراف ضمني بفشله فشلا ذريعا في مواجهة جبهة البوليساريو في تنفيذ خطته الإستعمارية وفرض الأمر الواقع على الصحراويين والمنتظم الدولي، وخلق بذلك حالة من اليأس في نفوسهم لتخلي كما كان يعتقد عن الدفاع عن تطبيق الشرعية الدولية. ومن جهة أخرى يعطي دليلا أخر على عجزه في الخروج من الأزمة الداخلية وبناء نظام ديمقراطي شامل مؤسس على الشفافية والعدالة الإجتماعية والتقسيم العادل لموارد البلد على كل المواطنين دون إستثناء وإستشارتهم في تسيير شؤونه وقضاياه.